السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

563

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الكفر والنفاق والفسوق أمر آخر ، ولذلك قوبل بالمحق للكافرين ، فاللّه سبحانه يزيل أجزاء الكفر ونحوه من المؤمن شيئا فشيئا حتى لا يبقى إلّا إيمانه ، فيكون خالصا للّه ، ويبيد أجزاء الكفر والشرك والكيد من الكافر شيئا فشيئا حتى لا يبقى شيء . شرح سبحانه - بعد بيان أن الأيام دول متداولة لغرض الامتحان والابتلاء - في ملامتهم في حسبان هذا النظر الباطل وبيان حقيقة الحال فقال : أم حسبتم ، إلى آخر الآيات . قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ إلى آخر الآيتين ؛ وهذا أعني ظنهم أن يدخلوا الجنة من غير أن يمتحنوا لازم الظن المذكور آنفا ، وهو أنهم لما كانوا على الحق والحق لا يغلب عليه فأمر الظفر والغلبة إليهم ، لن ينهزموا ولن يغلبوا أبدا ، ومن المعلوم أن لازم هذا الظن أن يكون كل من آمن بالنبي ولحق بجماعة المؤمنين سعيدا في دنياه بالغلبة والغنيمة ، وسعيدا في آخرته بالمغفرة والجنة ، ويبطل الفرق بين ظاهر الإيمان وحقيقته ويرتفع التمايز بين الدرجات ، فإيمان المجاهد وإيمان المجاهد الصابر واحد ، ومن تمنى خيرا ففعله إذا حان حينه كان كمن تمنى خيرا ثم تولى إذا أصابه . وعلى هذا فقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا ، الخ ؛ من قبيل وضع المسبب موضع السبب أي حسبتم أن الدولة مكتوبة لكم فأنتم لا تبتلون بل تدخلون الجنة من غير أن يتميز المستحق لها منكم من غير المستحق ، وصاحب الدرجة الرفيعة منكم من غيره ؟ وأما قوله تعالى : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ الآية ؛ ففيه تثبيت أن ظنهم ذاك كان فاسدا فإنهم كانوا يتمنون الموت قبل حضور الغزوة حتى إذا حضرت ورأوه رأي العين لم يقدموا ولم يتناولوا ما كانوا يتمنونه ، بل فشلوا وتولوا عن القتال ؛ فهل كان من الجائز أن يدخلوا الجنة بمجرد هذا التمني من غير أن يمتحنوا أو يمحصوا ؟ أو لم يكن من الواجب أن يختبروا ؟ . وبهذا يظهر أن في الكلام تقديرا ، والمعنى : فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم تقدموا عليه ،